سميح عاطف الزين
117
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
إسماعيل عليهما السّلام ، إذ وقفوا جميعا نفس الموقف الذي يريده كلّ واحد لنفسه ، وهو أن يكون الفداء بدلا عن إخوته . . لا بل واحتدم بينهم الجدل في أروع مباراة عرفها الناس لهذا البيت الكريم ، والتي تجعل منه مثالا فريدا في التضحية ، فجميع أفراده يتسابقون : كلّ واحد منهم يقدم عنقه للنحر متمنيا أن ينال الحظوة عند الأب ، فيختاره وحده من بين إخوته الآخرين . . إنهم أبناء عبد المطلب ، فهم للعلا يتوثبون ، وعلى مشارف التاريخ يسمون ليقدّموا للأبناء آيات في الوفاء بعهد الآباء . وللّه درّهم من جماعة قد خلت ، وخلّفت من ورائها أبناء المدنية والتقدم في عصرنا - وفي غيره - وهم يصدموننا كل يوم بأكثر من قصة تروي أخبار مروق الأبناء ، وعقوق الآباء ، وتكاذب الإخوان والأصدقاء ، حتى لقد صار الابن يقتل أباه ، والأخ يسلب أخاه ، والصديق يخون صديقه ، والناس تأكل الناس ، والكل ينسى أن رصيده من العمر يتآكل يوما بعد يوم ، وإلى حفيرة في التراب ، أو تابوت من الخشب ، سينزل في يوم من الأيام . . هكذا هي الحياة بين ماض لأبناء عبد المطلب في الجاهلية ، وبين حاضر لأبناء البشرية في عصر المدنية ، واللّه أعلم بما يأتي به مقبل الأيام . وما لنا ، ولنعد إلى عبد المطلب ، هذا الأب الملتاع الذي لا تكفيه جراحات نفسه ، والنذر يحزّها حزّا ، حتى أوقعه أبناؤه في الحيرة ، فتركوا له الأمر في اختيار من يريد أن يسوقه إلى الذبح على يديه . وكيف له أن يؤثر واحدا على الآخر والكل عزيز على قلبه . . إنه في مأساة وحيرة من أمره حقا . ولكن عدالته مع أبنائه ، وصدقه مع ربه جعلاه يتريث بضعة أيام علّ الموقف يتبدل . . إلّا أن أحدا من أبنائه لم يتغيّر ،